ابن قتيبة الدينوري
26
الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة
بمعنى خلق وكذلك وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها « 1 » اي خلق منها وأما الموضع الذي يكون فيه غير الخلق فإذا رأيته متعديا إلى مفعولين كقوله وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا « 2 » اي صيرتم وكقوله فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها « 3 » وكقول القائل « جعل فلان امر امرأته في يدها » فان هم وجدوا في القرآن كله جعل متعدية إلى القرآن وحده ليقضوا عليه بالخلق فنحن نتابعهم وكذلك المحدث ليس هو في موضع بمعنى مخلوق فان أنكروا ذلك فليقولوا في قول الله لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً « 4 » انه يخلق وكذلك قوله لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً « 5 » اي يحدث لهم القرآن ذكرا والمعنى يجدد عند هم ما لم يكن « 6 » وكذلك قوله ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ « 7 » أي ذكر حدث عند هم لم يكن قبل ذلك وفعلوا في كتاب الله أكثر مما فعل الأولون في تحريف التأويل عن جهته فقالوا في قول الله وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ « 8 » ان اليد هاهنا النعمة « 9 » وما ننكر ان اليد قد تتصرف على ثلاثة وجوه من التأويل أحدها النعمة والآخر القوة من الله
--> ( 1 ) مطلع سورة الأنعام ( 2 ) الزمر 6 ( 3 ) النحل 91 ( 4 ) البقرة 66 ( 5 ) مطلع آية الطلاق ( 6 ) لعل المصنف يرى الخلق هنا بمعنى ايجاد الأعيان كما كان قدماء المعتزلة على هذا الرأي حيث ادعوا استقلال العباد بأفعالهم مع تحاشيهم عن نسبة خلقها إلى أنفسهم والجمهور على أن الخلق بمعنى احداث وايجاد ما لم يكن جوهرا كان أو عرضا . ( 7 ) الأنبياء 2 ( 8 ) المائدة 64 ( 9 ) وسيأتي من المصنف ان غل اليد وبسطها ضرب مثلا للامساك والانفاق فتكون الآية استعارة تمثيلية على مصطلح أهل البلاغة وحيث إن الاستعارة التمثيلية من قبيل المجاز في المركب تبقى مفرداتها على معانيها الوضعية كما هي . والتجوز الجاري في المركب من حيث هو لا يسري في مفرداته ، وبحث المصنف عن المفردات هنا خروج عن مصطلح أهل الصناعة وحوم حول ما طال اتهامه به وان أصاب في ابطال تأويل اليد هنا بالنعمة أو القدرة .